الباحث القرآني

﴿وَقالَ﴾ يُوسُفُ ﴿لِفِتْيانِهِ﴾ غِلْمانِهِ الكَيّالِينَ جَمْعِ فَتًى، وقُرِئَ (لِفِتْيَتِهِ) وهي جَمْعُ قِلَّةٍ لَهُ ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ فَإنَّهُ وكَّلَ بِكُلِّ رَحْلٍ رَجُلًا يُعْبِّي فِيهِ بِضاعَتَهُمُ الَّتِي شَرَوْا بِها الطَّعامَ، وكانَتْ نِعالًا وأدَمًا، وإنَّما فَعَلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ وخَوْفًا مِن أنْ لا يَكُونَ عِنْدَ أبِيهِ ما يَرْجِعُونَ بِهِ مَرَّةً أُخْرى، وكُلُّ ذَلِكَ لِتَحْقِيقِ ما يَتَوَخّاهُ مِن رُجُوعِهِمْ بِأخِيهِ، كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ أيْ: يَعْرِفُونَ حَقَّ رَدِّها والتَّكَرُّمِ في ذَلِكَ، أوْ لِكَيْ يَعْرِفُوها وهو ظاهِرُ التَّعَلُّقِ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ﴾ فَإنَّ مَعْرِفَتَهم لَها مُقَيَّدَةٌ بِالرُّجُوعِ وتَفْرِيغِ الأوْعِيَةِ قَطْعًا، وأمّا مَعْرِفَةُ حَقِّ التَّكَرُّمِ في رَدِّها فَهي - وإنْ كانَتْ في ذاتِها غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِذَلِكَ - لَكِنْ لَمّا كانَ ابْتِداؤُها حِينَئِذٍ قُيِّدَتْ بِهِ. ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ حَسْبَما أمَرْتُهم بِهِ، فَإنَّ التَّفَضُّلَ عَلَيْهِمْ بِإعْطاءِ البَدَلَيْنِ - ولا سِيَّما عِنْدَ إعْوازِ البِضاعَةِ - مِن أقْوى الدَّواعِي إلى الرُّجُوعِ، وما قِيلَ: إنَّما فَعَلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما لَمْ يَرَ مِنَ الكَرَمِ أنْ يَأْخُذَ مِن أبِيهِ وإخْوَتِهِ ثَمَنًا فَكَلامٌ حَقٌّ في نَفْسِهِ، ولَكِنْ يَأْباهُ التَّعْلِيلُ المَذْكُورُ، وأمّا أنَّ عِلِّيَّةَ الجَعْلِ المَذْكُورِ لِلرُّجُوعِ مِن حَيْثُ أنَّ دِيانَتَهم تَحْمِلُهم عَلى رَدِّ البِضاعَةِ؛ لِأنَّهم لا يَسْتَحِلُّونَ إمْساكَهم فَمَدارُهُ حُسْبانُهم أنَّها بَقِيَتْ في رِحالِهِمْ نِسْيانًا، وظاهِرٌ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ أصْلًا، فَإنَّ هَيْئَةَ التَّعْبِيَةِ تُنادِي بِأنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ، ألا يُرى أنَّهم كَيْفَ جَزَمُوا بِذَلِكَ حِينَ رَأوْها؟ وجَعَلُوا ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى التَّفَضُّلاتِ السّابِقَةِ، كَما سَتُحِيطُ بِهِ خُبْرًا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب