الباحث القرآني
﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ بِاغْتِيابِهِنَّ وسُوءِ قالَتِهِنَّ، وقَوْلِهِنَّ: امْرَأةُ العَزِيزِ عَشِقَتْ عَبْدَها الكَنْعانِيَّ وهو مَقَتَها، وتَسْمِيَتُهُ مَكْرًا؛ لِكَوْنِهِ خُفْيَةً مِنها كَمَكْرِ الماكِرِ، وإنْ كانَ ظاهِرًا لِغَيْرِها، وقِيلَ: اسْتَكْتَمَتْهُنَّ سِرَّها فَأفْشَيْنَهُ عَلَيْها، وقِيلَ: إنَّما قُلْنَ ذَلِكَ لِتُرِيَهُنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ﴾ تَدْعُوهُنَّ، قِيلَ: دَعَتْ أرْبَعِينَ امْرَأةً مِنهُنَّ الخَمْسُ المَذْكُوراتُ ﴿وَأعْتَدَتْ﴾ أيْ: أحْضَرَتْ وهَيَّأتْ ﴿لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أيْ: ما يَتَّكِئْنَ عَلَيْهِ مِنَ النَّمارِقِ والوَسائِدِ، أوْ رَتَّبَتْ لَهُنَّ مَجْلِسَ طَعامٍ وشَرابٍ؛ لِأنَّهم كانُوا يَتَّكِئُونَ لِلطَّعامِ والشَّرابِ والحَدِيثِ كَعادَةِ المُتْرَفِينَ، ولِذَلِكَ نُهِيَ الرَّجُلُ أنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئًا، وقِيلَ: (مُتَّكَأً) طَعامًا مِن قَوْلِهِمُ: اتَّكَأْنا عِنْدَ فُلانٍ أيْ طَعِمْنا، قالَ جَمِيلٌ:
؎ فَظَلِلْنا بِنِعْمَةٍ واتَّكَأْنا وشَرِبْنا الحَلالَ مِن قُلَلِهْ
وَعَنْ مُجاهِدٍ (مُتَّكَأً) طَعامًا يُحَزُّ حَزًّا، كَأنَّ المَعْنى يُعْتَمَدُ بِالسِّكِّينِ عِنْدَ القَطْعِ؛ لِأنَّ القاطِعَ يَتَّكِئُ عَلى المَقْطُوعِ بِالسِّكِّينِ، وقُرِئَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقُرِئَ بِالمَدِّ بِإشْباعِ حَرَكَةِ الكافِ كَمُنْتَزاحٍ في مُنْتَزَحٍ ويَنْباعُ في يَنْبُعُ وقُرِئَ: (مُتْكَأً) وهو الأُتْرُجُّ، وأنْشَدُوا:
؎ وأهْدَتْ مُتْكَةً لِبَنِي أبِيها ∗∗∗ تَخُبُّ بِها العَثَمْثَمَةُ الوَقاحُ
أوْ ما يُقْطَعُ، مِن مَتَكَ الشَّيْءَ إذا بَتَكَهُ، و(مَتْكًا) مِن تَكى إذا اتَّكى.
﴿وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا﴾ لِتَسْتَعْمِلَهُ في قَطْعِ ما يُعْهَدُ قَطْعُهُ مِمّا قُدِّمَ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ، وقُرِّبَ إلَيْهِنَّ مِنَ اللُّحُومِ والفَواكِهِ ونَحْوِها، وهُنَّ مُتَّكِئاتٌ، وغَرَضُها مِن ذَلِكَ ما سَيَقَعُ مِن تَقْطِيعِ أيْدِيهِنَّ ﴿وَقالَتِ﴾ لِيُوسُفَ، وهُنَّ مَشْغُولاتٌ بِمُعالَجَةِ السَّكاكِينِ وإعْمالِها فِيما بِأيْدِيهِنَّ مِنَ الفَواكِهِ وأضْرابِها، والعَطْفُ بِالواوِ رُبَّما يُشِيرُ إلى أنَّ قَوْلَها ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ - أيِ: ابْرُزْ لَهُنَّ - لَمْ يَكُنْ عَقِيبَ تَرْتِيبِ أُمُورِهِنَّ لِيَتِمَّ غَرَضُها مِنِ اسْتِغْفالِهِنَّ ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ الأمْرُ بِالخُرُوجِ، ويَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: فَخَرَجَ عَلَيْهِنَّ فَرَأيْنَهُ، (p-272)وَإنَّما حُذِفَ تَحْقِيقًا لِمُفاجَأةِ رُؤْيَتِهِنَّ، كَأنَّها تَفُوتُ عِنْدَ ذِكْرِ خُرُوجِهِ عَلَيْهِنَّ، كَما حُذِفَ لِتَحْقِيقِ السُّرْعَةِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ وفِيهِ إيذانٌ بِسُرْعَةِ امْتِثالِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأمْرِها فِيما لا يُشاهَدُ مَضَرَّتُهُ مِنَ الأفاعِيلِ.
﴿أكْبَرْنَهُ﴾ عَظَّمْنَهُ، وهِبْنَ حُسْنَهُ الفائِقَ، وجَمالَهُ الرّائِعَ الرّائِقَ، فَإنَّ فَضْلَ جَمالِهِ عَلى جَمالِ كُلِّ جَمِيلٍ كانَ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««رَأيْتُ يُوسُفَ لَيْلَةَ المِعْراجِ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ»» وقِيلَ: كانَ يُرى تَلَأْلُؤُ وجْهِهِ عَلى الجُدْرانِ كَما يُرى نُورُ الشَّمْسِ عَلى الماءِ، وقِيلَ: مَعْنى "أكْبَرْنَ" حِضْنَ، والهاءُ لِلسَّكْتِ، أوْ ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى حَذْفِ اللّامِ، أيْ: حِضْنَ لَهُ مِن شِدَّةِ الشَّبَقِ، كَما قالَ المُتَنَبِّئُ:
؎ خَفِ اللَّهَ واسْتُرْ ذا الجَمالِ بُرْقُعُ ∗∗∗ فَإنْ لُحْتَ حاضَتْ في الخُدُورِ العَواتِقُ
﴿وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أيْ: جَرَحْنَها بِما في أيْدِيهِنَّ مِنَ السَّكاكِينِ لِفَرْطِ دَهْشَتِهِنَّ، وخُرُوجِ حَرَكاتِ جَوارِحِهِنَّ عَنْ مِنهاجِ الِاخْتِيارِ والِاعْتِيادِ حَتّى لَمْ يَعْلَمْنَ ما فَعَلْنَ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الجَرْحِ بِالقَطْعِ ما لا يَخْفي مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَثْرَةِ جُرُحِهِنَّ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يُبالِينَ بِذَلِكَ ولَمْ يَشْعُرْنَ بِهِ.
﴿وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ﴾ تَنْزِيهًا لَهُ سُبْحانَهُ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ والعَجْزِ، وتَعَجُبًّا مِن قدرته عَلى مِثْلِ ذَلِكَ الصُّنْعِ البَدِيعِ، وأصْلُهُ حاشا كَما قَرَأهُ أبُو عَمْرٍو (فِي الدَّرَجِ) فَحُذِفَتْ ألِفُهُ الأخِيرَةُ تَخْفِيفًا، وهو حَرْفُ جَرٍّ يُفِيدُ مَعْنى التَّنْزِيهِ في بابِ الِاسْتِثْناءِ، فَلا يُسْتَثْنى بِهِ إلّا ما يَكُونُ مُوجِبًا لِلتَّنْزِيهِ، فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ، فَمَعْنى "حاشا اللَّهِ": تَنْزِيهُ اللَّهِ وبَراءَةُ اللَّهِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - واللّامُ لِبَيانِ المُنَزَّهِ والمُبَرَّأِ، كَما في سُقْيًا لَكَ، والدَّلِيلُ عَلى وضْعِهِ مَوْضِعَ المَصْدَرِ قِراءَةُ أبِي السَّمّالِ: (حاشًا) بِالتَّنْوِينِ، وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو بِحَذْفِ الألِفِ الأخِيرَةِ، وقِراءَةُ الأعْمَشِ بِحَذْفِ الأُولى، فَإنَّ التَّصَرُّفَ مِن خَصائِصِ الِاسْمِ، فَيَدُلُّ عَلى تَنْزِيلِهِ مَنزِلَتَهُ، وعَدَمُ التَّنْوِينِ لِمُراعاةِ أصْلِهِ، كَما في قَوْلِكَ: جَلَسْتُ مِن عَنْ يَمِينِهِ، وقَوْلِهِ: غَدْتُ مِن عَلَيْهِ، مُنْقَلِبَ الألِفِ إلى الياءِ مَعَ الضَّمِيرِ، وقُرِئَ (حاشْ لِلَّهِ) بِسُكُونِ الشِّينِ إتْباعًا لِلْفَتْحَةِ الألِفَ في الإسْقاطِ وحاشَ الإلَهِ، وقِيلَ: حاشا فاعِلٌ مِنَ الحَشا الَّذِي هو النّاحِيَةُ، وفاعِلُهُ ضَمِيرُ يُوسُفَ، أيْ: صارَ في ناحِيَةٍ مِن أنْ يُقارِفَ ما رَمَتْهُ بِهِ لِلَّهِ، أيْ: لِطاعَتِهِ، أوْ لِمَكانِهِ، أوْ جانَبَ المَعْصِيَةَ لِأجْلِ اللَّهِ.
﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ عَلى إعْمالِ ما بِمَعْنى لَيْسَ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ لِمُشارَكَتِهِما في نَفْيِ الحالِ، وقُرِئَ (بَشَرٌ) عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، وبِشِرًى أيْ: بِعَبْدٍ مُشْتَرًى لَئِيمٍ، نَفَيْنَ عَنْهُ البَشَرِيَّةَ لِما شاهَدْنَ فِيهِ مِنَ الجَمالِ العَبْقَرِيِّ الَّذِي لَمْ يُعْهَدْ مِثالُهُ في البَشَرِ، وقَصَرْنَهُ عَلى المَلَكِيَّةِ بِقَوْلِهِنَّ: ﴿إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ بِناءً عَلى ما رُكِزَ في العُقُولِ مِن أنْ لا حَيَّ أحْسَنُ مِنَ المَلَكِ، كَما رَكِبَ فِيها أنْ لا أقْبَحَ مِنَ الشَّيْطانِ، ولِذَلِكَ لا يَزالُ يُشَبَّهُ بِهِما كُلُّ مُتَناهٍ في الحُسْنِ والقُبْحِ، وغَرَضُهُنَّ وصْفُهُ بِأقْصى مَراتِبِ الحُسْنِ والجَمالِ.
{"ayah":"فَلَمَّا سَمِعَتۡ بِمَكۡرِهِنَّ أَرۡسَلَتۡ إِلَیۡهِنَّ وَأَعۡتَدَتۡ لَهُنَّ مُتَّكَـࣰٔا وَءَاتَتۡ كُلَّ وَ ٰحِدَةࣲ مِّنۡهُنَّ سِكِّینࣰا وَقَالَتِ ٱخۡرُجۡ عَلَیۡهِنَّۖ فَلَمَّا رَأَیۡنَهُۥۤ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَیۡدِیَهُنَّ وَقُلۡنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَـٰذَاۤ إِلَّا مَلَكࣱ كَرِیمࣱ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











