الباحث القرآني
﴿وَيَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها العَجِيبَةِ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: وأخَذَ يَصْنَعُ الفُلْكَ، أوْ أقْبَلَ يَصْنَعُها، فاقْتُصِرَ عَلى (يَصْنَعُ) وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ مُلائَمَةٌ لِلِاسْتِمْرارِ المَفْهُومِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ حالًا مِن ضَمِيرِهِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ اسْتَهْزَءُوا بِهِ لِعَلَمِهِ السَّفِينَةَ، إمّا لِأنَّهم ما كانُوا يَعْرِفُونَها ولا كَيْفِيَّةَ اسْتِعْمالِها والِانْتِفاعِ بِها، فَتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ وسَخِرُوا مِنهُ، وإمّا لِأنَّهُ كانَ يَصْنَعُها في بَرِّيَّةٍ بَهْماءَ في أبْعَدِ مَوْضِعٍ مِنَ الماءِ وفي وقْتِ عِزَّتِهِ عِزَةً شَدِيدَةً، وكانُوا يَتَضاحَكُونَ ويَقُولُونَ: يا نُوحُ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَما كُنْتَ نَبِيًّا، وقِيلَ: لِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُنْذِرُهُمُ الغَرَقَ، فَلَمّا طالَ مُكْثُهُ فِيهِمْ ولَمْ يُشاهِدُوا مِنهُ عَيْنًا ولا أثَرًا عَدُّوهُ مِن بابِ المُحالِ، ثُمَّ لَمّا رَأوُا اشْتِغالَهُ بِأسْبابِ الخَلاصِ مِن ذَلِكَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا، ومَدارُ الجَمِيعِ إنْكارُ أنْ يَكُونَ لِعَمَلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ، مَعَ ما فِيهِ مِن تَحَمُّلِ المَشاقِّ (p-207)العَظِيمَةِ الَّتِي لا تَكادُ تُطاقُ، واسْتِجْهالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ.
﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا﴾ مُسْتَجْهِلِينَ لَنا فِيما نَحْنُ فِيهِ ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ أيْ: نَسْتَجْهِلُكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ، وإطْلاقُ السُّخْرِيَةِ عَلَيْهِ لِلْمُشاكَلَةِ، وجَمْعُ الضَّمِيرِ في (مِنّا) إمّا لِأنَّ سُخْرِيَتَهم مِنهُ ﷺ سُخْرِيَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ أيْضًا، أوْ لِأنَّهم كانُوا يَسْخَرُونَ مِنهم أيْضًا، إلّا أنَّهُ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ سُخْرِيَتِهِمْ مِنهُ ﷺ ولِذَلِكَ تَعَرَّضَ الجَمِيعُ لِلْمُجازاةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ ... إلَخْ، فَتَكافَأ الكَلامُ مِنَ الجانِبَيْنِ، وتَعْلِيقُ اسْتِجْهالِهِ ﷺ إيّاهم بِما فَعَلُوا مِنَ السُّخْرِيَةِ بِاعْتِبارِ إظْهارِهِ ومُشافَهَتِهِ ﷺ إيّاهم جاهِلِينَ فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ أمْرٌ مُطَّرِدٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِسُخْرِيَتِهِمْ مِنهُمْ، لَكِنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتَصَدّى لِإظْهارِهِ؛ جَرْيًا عَلى نَهْجِ الأخْلاقِ الحَمِيدَةِ، وإنَّما أظْهَرُهُ جَزاءً بِما صَنَعُوا بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، فَإنَّ سُخْرِيَتَهم كانَتْ مُسْتَمِرَّةً ومُتَجَدِّدَةً حَسَبَ تَجَدُّدِ مُرُورِهِمْ عَلَيْهِ، ولَمْ يَكُنْ يُجِيبُهم في كُلِّ مَرَّةٍ، وإلّا لَقِيلَ: ويَقُولُ: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا... إلَخْ، بَلْ إنَّما أجابَهم بَعْدَ بُلُوغِ أذاهُمُ الغايَةَ، كَما يُؤْذِنُ بِهِ الِاسْتِئْنافُ، فَكَأنَّ سائِلًا سَألَ فَقالَ: فَما صَنَعَ نُوحٌ عِنْدَ بُلُوغِهِمْ مِنهُ هَذا المَبْلَغَ، فَقِيلَ: قالَ: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا إنْ تَنْسُبُونا فِيما نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنَ التَّأهُّبِ والمُباشِرَةِ لِأسْبابِ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ إلى الجَهْلِ، وتَسْخَرُوا مِنّا لِأجْلِهِ، فَإنّا نَنْسُبُكم إلَيْهِ فِيما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الإعْراضِ عِنْدَ اسْتِدْفاعِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، ومِنَ الِاسْتِمْرارِ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي، والتَّعَرُّضِ لِأسْبابِ حُلُولِ سَخَطِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي مِن جُمْلَتِها اسْتِجْهالُكم إيّانا وسُخْرِيَتُكم مِنّا، والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ إمّا في مُجَرَّدِ التَّحَقُّقِ والوُقُوعِ، أوْ في التَّجَدُّدِ والتَّكَرُّرِ حَسْبَما صَدَرَ عَنْ مَلَإٍ غِبَّ مَلَإٍ، لا في الكَيْفِيّاتِ والأحْوالِ الَّتِي تَلِيقُ بِشَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ فَكِلا الأمْرَيْنِ واقِعٌ في الحالِ، وقِيلَ: نَسْخَرُ مِنكم في المُسْتَقْبَلِ سُخْرِيَةً مِثْلَ سُخْرِيَتِكم إذا وقَعَ عَلَيْكُمُ الغَرَقُ في الدُّنْيا والحَرْقُ في الآخِرَةِ، ولَعَلَّ مَرَداهُ: نُعامِلُكم مُعامَلَةَ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ نَفْسَ السُّخْرِيَةِ مِمّا لا يَكادُ يَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ومَعَ ذَلِكَ لا سَدادَ لَهُ؛ لِأنَّ حالَهم إذْ ذاكَ لَيْسَ مِمّا لا يُلائِمُهُ السُّخْرِيَةُ، أوْ ما يَجْرِي مَجْراها، فَتَأمَّلْ.
{"ayah":"وَیَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَیۡهِ مَلَأࣱ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











