الباحث القرآني
﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أيْ: فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا ما كُلِّفُوهُ مِنَ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِالِاسْتِجابَةِ؛ إيماءً إلى أنَّهُ ﷺ عَلى كَمالِ أمْنٍ مِن أمْرِهِ، كَأنَّ أمْرَهُ لَهم بِالإتْيانِ بِمِثْلِهِ دُعاءٌ لَهم إلى أمْرٍ يُرِيدُ وُقُوعَهُ، والضَّمِيرُ في (لَكُمْ) لِلرَّسُولِ ﷺ والجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ وإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ
أوَّلَهُ: ولِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم أتْباعٌ لَهُ ﷺ في الأمْرِ بِالتَّحَدِّي، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَطِيفٌ عَلى أنَّ حَقَّهم أنْ لا يَنْفَكُّوا عَنْهُ ﷺ ويُناصِبُوا مَعَهُ لِمُعارَضَةِ المُعارِضِينَ، كَما كانَ يَفْعَلُونَهُ في الجِهادِ، وإرْشادٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُفِيدُ الرُّسُوخَ في الإيمانِ والطُّمَأْنِينَةَ في الإيقانِ، ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: "فاعْلَمُوا" أيِ: اعْلَمُوا حِينَ ظَهَرَ لَكم عَجْزُهم عَنِ المُعارَضَةِ مَعَ تَهالُكِهِمْ عَلَيْها عِلْمًا يَقِينًا مُتاخِمًا لِعَيْنِ اليَقِينِ، بِحَيْثُ لا مَجالَ مَعَهُ لِشائِبَةِ رَيْبٍ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، كَأنَّ ما عَداهُ مِن مَراتِبِ العِلْمِ لَيْسَ بِعِلْمٍ، لَكِنْ لا لِلْإشْعارِ بِانْحِطاطِ تِلْكَ المَراتِبِ، بَلْ بِارْتِفاعِ هَذِهِ المَرْتَبَةِ، وبِهِ يَتَّضِحُ سِرُّ إيرادِ كَلِمَةِ الشَّكِّ مَعَ القَطْعِ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ، فَإنَّ تَنْزِيلَ سائِرِ المَراتِبِ مَنزِلَةَ العَدَمِ مُسْتَتْبِعٌ لِتَنْزِيلِ الجَزْمِ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ مَنزِلَةَ الشَّكِّ فِيهِ، أوِ اثْبُتُوا واسْتَمِرُّوا عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ.
﴿إنَّما أُنْزِلَ﴾ مُلْتَبِسًا ﴿بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ المَخْصُوصِ بِهِ بِحَيْثُ لا تَحُومُ حَوْلَهُ العُقُولُ والأفْهامُ، مُسْتَبِدًّا بِخَصائِصِ الإعْجازِ مِن جِهَتَيِ النَّظْمِ الرّائِقِ والإخْبارِ بِالغَيْبِ ﴿وَأنْ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ: واعْلَمُوا - أيْضًا - أنْ لا شَرِيكَ لَهُ في الأُلُوهِيَّةِ وأحْكامِها، ولا يَقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُخْلِصُونَ في الإسْلامِ، أوْ ثابِتُونَ عَلَيْهِ، وهَذا مِن بابِ التَّثْبِيتِ والتَّرْقِيَةِ إلى مَعارِجِ اليَقِينِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في الكُلِّ لِلْمُشْرِكِينَ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ ﷺ داخِلًا تَحْتَ الأمْرِ بِالتَّحَدِّي، والضَّمِيرُ في "لَمْ يَسْتَجِيبُوا" لِـ"مَنِ اسْتَطَعْتُمْ" أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكم آلِهَتُكم وسائِرُ مَن إلَيْهِمْ تَجْأرُونَ في مُهِمّاتِكم ومُلِمّاتِكم إلى المُعاوَنَةِ والمُظاهَرَةِ، فاعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ قُدْرَةِ البَشَرِ، وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن خالِقِ القُوى والقَدَرِ، فَإيرادُ كَلِمَةِ الشَّكِّ حِينَئِذٍ مَعَ الجَزْمِ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ مِن جِهَةِ آلِهَتِكم تَهَكُّمٌ بِهِمْ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِكَمالِ سَخافَةِ العَقْلِ، وتَرْتِيبُ الأمْرِ بِالعِلْمِ عَلى مُجَرَّدِ عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالدُّعاءِ المَسْبُوقِ بِعَجْزِهِمْ واضْطِرارِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم عِنْدَ التِجائِكم إلَيْهِمْ بَعْدَما اضْطُرِرْتُمْ إلى ذَلِكَ وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الحِيَلُ وعَيَتْ بِكُمُ العِلَلُ، أوْ مِن حَيْثُ إنَّ مَن يَسْتَمِدُّونَ بِهِمْ أقْوى مِنهم في اعْتِقادِهِمْ، فَإذا ظَهَرَ عَجْزُهم بِعَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ - وإنْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِ (p-193)عَجْزِ أنْفُسِهِمْ - يَكُونُ عَجْزُهم أظْهَرُ وأوْضَحُ، واعْلَمُوا أيْضًا أنَّ آلِهَتَكم بِمَعْزِلٍ عَنْ رُتْبَةِ الشَّرِكَةِ في الأُلُوهِيَّةِ وأحْكامِها، فَهَلْ أنْتُمْ داخِلُونَ في الإسْلامِ، إذْ لَمْ يَبْقَ بَعْدُ شائِبَةُ شُبْهَةٍ في حَقِّيَّتِهِ وفي بُطْلانِ ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الإذْعانُ لِكَوْنِ القرآن مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى دُخُولًا أوَّلِيًّا، أوْ مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ الَّذِي هو كَوْنُ القرآن مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وتارِكُونَ لِما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ إيجابٌ بَلِيغٌ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الطَّلَبِ، والتَّنْبِيهِ عَلى قِيامِ المُوجَبِ، وزَوالِ العُذْرِ، وإقْناطٌ مِن أنْ يُجِيرَهم آلِهَتُهم مِن بَأْسِ اللَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ، هَذا والأوَّلُ أنْسَبُ لِما سَلَفَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) ولِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ﴾ وأشَدُّ ارْتِباطًا بِما يَعْقُبُهُ، كَما سَتُحِيطُ بِهِ خُبْرًا.
{"ayah":"فَإِلَّمۡ یَسۡتَجِیبُوا۟ لَكُمۡ فَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّمَاۤ أُنزِلَ بِعِلۡمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











