الباحث القرآني
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِكُلِّ ما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ أيْ: يَقُونَ أنْفُسَهم عَمّا يَحِقُّ وِقايَتُها عَنْهُ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ وِقايَةً دائِمَةً، حَسْبَما يُفِيدُهُ الجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لَهم وإشارَةٌ إلى ما بِهِ نالُوا ما نالُوا عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ المَبْنِيِّ عَلى السُّؤالِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن أُولَئِكَ وما سَبَبُ فَوْزِهِمْ بِتِلْكَ الكَرامَةِ، فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والتَّقْوى المُفْضِيَيْنِ إلى كُلِّ خَيْرٍ، المُنْحِيَيْنِ عَنْ كُلِّ شَرٍّ، وقِيلَ: مَحَلُّهُ النَّصْبُ، أوِ الرَّفْعُ عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى أنَّهُ وصْفٌ مادِحٌ لِلْأوْلِياءِ ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ تَوَسُّطُ الخَبَرِ.
والمُرادُ بِالتَّقْوى: المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ مِنها الجامِعَةُ لِما تَحْتَها مِن مَرْتَبَةِ التَّوَقِّي عَنِ الشِّرْكِ الَّتِي يُفِيدُها الإيمانُ أيْضًا، ومَرْتَبَةِ التَّجَنُّبِ عَنْ كُلِّ ما يُؤَثِّمُ مِن فِعْلٍ وتَرْكٍ، أعْنِي تَنَزُّهَ الإنْسانِ عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ سِرَّهُ عَنِ الحَقِّ والتَّبَتُّلِ إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ، وهي التَّقْوى الحَقِيقِيُّ المَأْمُورُ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ وبِهِ يَحْصُلُ الشُّهُودُ والحُضُورُ والقُرْبُ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ إطْلاقُ الِاسْمِ عَلَيْهِ، وهَكَذا كانَ حالُ مَن دَخَلَ مَعَهُ ﷺ تَحْتَ الخِطابِ، بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ (وَلا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ)﴾ خَلا أنَّ لَهم في شَأْنِ التَّبَتُّلِ والتَّنَزُّهِ دَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةً حَسَبَ تَفاوُتِ دَرَجاتِ اسْتِعْداداتِهِمُ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ بِمُوجِبِ المَشِيئَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ الأبِيَّةِ، أقْصاها ما انْتَهى إلَيْهِ هِمَمُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، حَتّى جَمَعُوا بِذَلِكَ بَيْنَ رِياسَتَيِ النُّبُوَّةِ والوِلايَةِ، ولَمْ يَعُقْهُمُ التَّعَلُّقُ بِعالَمِ الأشْباحِ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في عالَمِ الأرْواحِ، ولَمْ تَصُدُّهُمُ المُلابَسَةُ بِمَصالِحِ الخَلْقِ عَنِ التَّبَتُّلِ إلى جَنابِ الحَقِّ، لِكَمالِ اسْتِعْدادِ نُفُوسِهِمُ الزَّكِيَّةِ المُؤَيَّدَةِ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ، فَمَلاكُ أمْرِ الوِلايَةِ هو التَّقْوى المَذْكُورُ، فَأوْلِياءُ اللَّهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ المُتَّقُونَ، ويَقْرُبُ مِنهُ ما قِيلَ مِن أنَّهُمُ الَّذِينَ تَوَلّى اللَّهُ هِدايَتَهم بِالبُرْهانِ، وتَوَلَّوُا القِيامَ بِحَقِّ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى والدَّعْوَةِ إلَيْهِ، ولا يُخالِفُهُ ما قِيلَ مِن أنَّهُمُ الَّذِينَ يُذْكَرُ اللَّهُ بِرُؤْيَتِهِمْ، لِما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: مَن أوْلِياءُ اللَّهِ؟ فَقالَ: "هُمُ الَّذِينَ يُذْكَرُ اللَّهُ بِرُؤْيَتِهِمْ"» أيْ: بِسَمْتِهِمْ وإخْباتِهِمْ وسِكِينَتِهِمْ، ولا ما قِيلَ مِن أنَّهُمُ المُتَحابُّونَ في اللَّهِ، لِما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: « "إنَّ مِن عِبادِ اللَّهِ عِبادًا لَيْسُوا بِأنْبِياءَ ولا شُهَداءَ، يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشُّهَداءُ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَكانِهِمْ مِنَ اللَّهِ" قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، خَبِّرْنا مَن هم وما أعْمالُهم فَلَعَلَّنا نُحِبُّهُمْ، قالَ: "هم قَوْمٌ تَحابُّوا في اللَّهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ مِنهم ولا أمْوالٍ يَتَعاطَوْنَها، فَواللَّهِ إنَّ وُجُوهَهم لَنُورٌ وإنَّهم لَعَلى مَنابِرَ مِن نُورٍ، لا يَخافُونَ إذا خافَ النّاسُ، ولا يَحْزَنُونَ إذا حَزِنَ النّاسُ".»
فَإنَّ ما ذُكِرَ مِن حُسْنِ السَّمْتِ والسَّكِينَةِ المُذَكِّرَةِ لِلَّهِ تَعالى، والتَّحابِّ في اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ الأحْكامِ الدُّنْيَوِيَّةِ اللّازِمَةِ لِلْإيمانِ والتَّقْوى والآثارِ الخاصَّةِ بِهِما الحَقِيقَةُ بِالتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ، لِظُهُورِها وقُرْبِها مِن أفْهامِ النّاسِ.
قَدْ أوْرَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلًّا مِن ذَلِكَ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ مَقامُ الإرْشادِ والتَّذْكِيرِ تَرْغِيبًا لِلسّائِلِينَ أوْ غَيْرِهِمْ مِنَ الحاضِرِينَ فِيما خَصَّهُ بِالذِّكْرِ هُناكَ مِن أحْكامِهِما، فَلَعَلَّ الحاضِرِينَ أوَّلًا كانُوا مُحْتاجِينَ إلى إصْلاحِ الحالِ مِن جِهَةِ الأقْوالِ والأفْعالِ والمَلابِسِ ونَحْوِ ذَلِكَ، والحاضِرِينَ ثانِيًا مُفْتَقِرِينَ إلى تَأْلِيفِ قُلُوبِهِمْ وعَطْفِها نَحْوَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا عَلاقَةَ بَيْنَهم وبَيْنَهم مِن جِهَةِ النَّسَبِ والقَرابَةِ، وتَأْكِيدِ ما بَيْنَهم مِنَ الأُخُوَّةِ (p-160)الدِّينِيَّةِ بِبَيانِ عِظَمِ شَأْنِها، ورِفْعَةِ مَكانَتِها، وحُسْنِ عاقِبَتِها؛ لِيُراعُوا حُقُوقَها، ويَهْجُرُوا مَن لا يُوافِقُهم في الدِّينِ مِن أرْحامِهِمْ.
وَأمّا ما ذُكِرَ مِن أنَّهُ يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ فَتَصْوِيرٌ لِحُسْنِ حالِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّثْمِيلِ، قالَ الكَواشِيُّ: وهَذا مُبالَغَةٌ، والمَعْنى: لَوْ فُرِضَ قَوْمٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَكانُوا هَؤُلاءِ، وقِيلَ: أوْلِياءُ اللَّهِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ بِالطّاعَةِ ويَتَوَلّاهم بِالكَرامَةِ، وجُعِلَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: "الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ" تَفْسِيرًا لِتَوَلِّيهِمْ إيّاهُ تَعالى، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:
{"ayah":"ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ یَتَّقُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











