الباحث القرآني

﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ﴾ بَيانٌ لِتَبَعِيَّةِ إيمانِ النُّفُوسِ المُؤْمِنَةِ لِمَشِيئَتِهِ تَعالى وُجُودًا بَعْدَ بَيانِ الدَّوَرانِ الكُلِّيِّ عَلَيْها وُجُودًا وعَدَمًا، أيْ: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِنَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّها تُؤْمِنُ ﴿أنْ تُؤْمِنَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِتَسْهِيلِهِ ومَنحِهِ لِلْألْطافِ، وإنَّما خُصَّتِ النَّفْسُ بِمَن ذُكِرَ ولَمْ يُجْعَلْ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أيْ: ما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ في حالٍ مِن أحْوالِها إلّا حالَ كَوْنِها مُلابِسَةً بِإذْنِهِ تَعالى، فَلا بُدَّ مِن كَوْنِ الإيمانِ مِمّا يَئُولُ إلَيْهِ حالُها، كَما أنَّ المَوْتَ مَآلٌ لِكُلِّ نَفْسٍ بِحَيْثُ لا مَحِيصَ لَها عَنْهُ، فَلا بُدَّ مِن تَخْصِيصِ النَّفْسِ بِمَن ذُكِرَ، فَإنَّ النُّفُوسَ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ أنَّها لا تُؤْمِنُ لَيْسَ لَها حالٌ تُؤْمِنُ فِيها حَتّى يُسْتَثْنى تِلْكَ الحالُ مِن غَيْرِها ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ أيِ: الكُفْرَ بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ، عُبِّرَ عَنْهُ بِالرِّجْسِ - الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ القَبِيحِ المُسْتَقْذَرِ المُسْتَكْرَهِ - لِكَوْنِهِ عَلَمًا في القُبْحِ والِاسْتِكْراهِ، وقِيلَ: هو العَذابُ، أوِ الخِذْلانُ المُؤَدِّي إلَيْهِ، وقُرِئَ بِنُونِ العَظَمَةِ، وقُرِئَ بِالزّايِ، أيْ: يَجْعَلُ الكُفْرَ ويُبْقِيهِ ﴿عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ لا يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم بِالنَّظَرِ في الحُجَجِ والآياتِ، أوْ لا يَعْقِلُونَ دَلائِلَهُ وأحْكامَهُ لِما عَلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الطَّبْعِ، (p-178)فَلا يَحْصُلُ لَهُمُ الهِدايَةُ الَّتِي عُبِّرَ عَنْها بِالإذْنِ، فَيَبْقَوْنَ مَغْمُورِينَ بِقَبائِحِ الكُفْرِ والضَّلالِ، أوْ مَقْهُورِينَ بِالعَذابِ والنَّكالِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَيَأْذَنُ لَهم بِمَنحِ الألْطافِ ويَجْعَلُ ... إلَخْ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب